SMS
“تم منع (جنيات شومان) من قبل وزارة الإعلام السعودية، ولم تحظ بالفسح الإعلامي الكامل وتم حجز النسخ لدى جمارك الجسر السعودي..
..
..
سؤالي: لماذا؟”
هذه الرسالة وصلتني ممهورة بتاريخ 12/5/2008 من السيد زكي الصدير الشاعر السعودي صاحب ديوان (جنيات شومان).. ذهول ممهور ببعض البلادة أصابني إذ ظننت أن أولي الأمر في السعودية أكثر حنكة وفهماً وإدراكاً لمحتويات الكتاب من جميع الشعراء والمفكرين والأدباء والكتاب والصحفيين الذين أتحفوا الكتاب نقداً وتحليلاً ومناقشةً ولم يخرجوا منه إلا بكلمة (مذهل)!! تساءلتُ بيني وبين نفسي أنا أيضاً (لماذا؟!!)
البارحة كانت إدارة الرقابة تمنع فيلماً من البث لأن صاحبه: (لم يُعلم الرقابة عنه!).. ومسلسل حجب المواقع الإلكترونية مستمر وبعض المدونين يرزحون في السجون.. أتفاجأ اليوم بمنع (ديوان شعري)!! يبدو أن السادة القائمين على مواقع الإعلام - ضمن الشلل الفكري المتفاقم الذي يعانون منه - يقومون بتمضية وقتهم بحجب ومنع ومصادرة و… قمع.
حسناً.. لنرى الديوان من وجهة نظر أولياء أمورنا.. ولنختبر قوة ذكائنا أو غبائنا بمحاولة فهم ما يجري على صفحات الكتاب - رغم أن النتيجة معروفة سلفاً-. قرأته عدة مرات أرسلته إلى العديد من الكتاب والمثقفين ورؤساء تحرير وحتى شيوخ طوائف وهابية سنية شيعية درزية إسماعيلية الخ.. وبل حتى مسيحيين إذ ربما هناك شيء في الكتاب رأوه السادة القائمين على مقص الرقيب ولم أستطع بذهني المتغابي أن أراه!! لكن عبثاً.. الكتاب لا يحتوي على كلمة (مهرطقة) واحدة لا في الدين ولا في عروش طويلي العمر ولا ولا ولا.. ويردّد الجميع نفس التساؤل: إذاً لماذا؟!!
في هذه البلاد التي يغتال فيها الفكر ويكفّر المثقفون وتصلب كتبهم، في بلاد تفرض الصمت على الأفواه والحجر على الأقلام وتكفّر أي سؤال حتى.. كان من العبث أن نسأل المسؤول عن المنع بـ: لماذا؟!! فالسيد الناقد الخبير في شؤون الأدب والشعر العربي القديم والحديث والجاهلي وعصر النهضة وعصر الانحطاط وعصر البطيخ وحتى الشعر المستقبلي الذي لم ير النور بعد.. قد استخدم مقصه ليصفع به وجه الفكر كيداً وحنقاً لأن سقف جمجمته خفيض مقارنة بما يحوي الكتاب مبرهناً على إفلاسه الفكري جاعلاً من نفسه أضحوكة سخيفة ومعلناً في نفس الوقت عن هزيمته الفكرية.
لا أدري إلى أين يريدون أن يصلوا هؤلاء بعمليات (البلطجة) و(القرصنة) الفكرية، وهم لا يميّزون بين الواو والضمة والشعر والشعير، مصداقاً لقوله تعالى: (مثله كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس..) الآية، وصدق من قال:
“مع الشهيق دائما يدخلني، ويرسل التقرير في الزفير
وكل ذنبي أنني آمنت بالشعر، وما آمنت بالشعير
في زمن الحمير”.
مقص، حوارية مسدس، حذف وDelete.. ، كبت، ممنوع.. أشياء لا تتجدد في عالمنا العربي على الرغم من الصدئ الذي اعترى تلك الأدوات، إلا أنها ما زالت فعالة ونشطة وتقوم بواجبها على أتم وجه.. إنها جدلية التخيير والتسيير. والمضحك أنها لا تبدع إلا عندما ينتج العقل البشري نتاجاً خالصاً للوطن في أقصى درجات الصدق مع النفس لحظة الإبداع. فيأتي من عمق الحماقة ودهاليز السلطة من يقصّ لك لسانك كما يقص شريطاً لافتتاح إحدى الأماكن بكل تلك البساطة. ترى هل أصبحت القاعدة الفكرية العامة تقول: (نافق حتى نوافق) أم ماذا؟!!
كم أشعر بالحيرة أمام شخوص تدّعي أنها تحمل شيئاً غير (التبن) على الكتلة التي بين كتفيها، فأتخيلها أشباح قادمة من عصور سحيقة في القدم ووقعت فجأة في زمننا هذا، ما زالوا يحدثوننا بأحاديث القرون الأولى ويتفوهون بكلام لا هو من كلام الإنس ولا من كلام الجان لتصبح تلك الأحاديث آيات إلهية منزلة غير قابلة للنقاش وكأنها أقوال من رحم فلسفة سبينوزا وعبقرية تشرشل والبيان البلاغي للرافعي..
كائنات لا تعرف كيف تتوائم مع عصرنا يقاتلون طواحين هوائية على طريقة (الدونكيشوت) في ظلام دامس وفي المكان الخطأ دائماً!! لا تملك إلا مقصاً حادّ النصل ويد طولى تطال في معظم الوقت كلّ فكرة لا يكونون قادرين على استيعابها. ورغم طول يدهم إلا أنها لا تمتد إلى إحداثيات خطوط العرض والطول التي تقع عليها الولايات المتحدة وستمتدّ غداً لتقول لأنكل سام (مرحباً بوش)، فيسمحون بمرور آلاف الكتب ذات الطابع الإسهالي المقيت وتمنع كتاباً أدبياً لا يملكون حتى أدنى قدرة على ترجمة منعه بأسباب معقولة!!!
المثير للسخرية حدّ البكاء بأن مقص الرقيب أورد خبراً “بإمكانية الفسح الإعلامي للكتاب ضمن اشتراطات نزع بعض صفحاته”.. لا يا شيخ!! بوجود رأي كهذا أتوقع لكَ سيدي مستقبلاً زاهراً ضمن حشيش معالي السلطان (كالأنعام بل هم أضلّ..)الآية.. ومستقبلاً مزدهراً للفكر والثقافة في بلاد الحجاز، ربما يأتي شخص مثلك بعد أيام ويعلن بأنه يُسمح فقط بجلدة غلاف الكتاب للدخول إلى البلاد!! وربما يأتي مفكر آخر مثلك – سيدي صاحب المقص أدام الله عزك – ويطلب جلدَ الكتاب سبعة آلاف وستمائة وخمسة وتسعون فاصلة ثلاثة جلدات ليُقام على الكتاب الحدّ المطلوب حينها قد يُسمح له بالفسح الإعلامي، ولا أستبعد الأمر وحالكم هذه.
هذه نماذج خرجت من رحم الفكر الاستغبائي مصابة ببلاهة فكرية وبلادة عقلية عبرت عنه مئات الكتابات والنصوص والندوات والمناقشات والجلسات الخفية منها والعلنية وعبّر عنها نزار قباني في قصيدته (أبو جهل يشتري فليت ستريت) قائلاً في نهايتها:
أكمل القراءة ‘السعودية بتمسي على المثقفين.. مساء القمع يا (جنيات شومان)..’




















